علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

284

نسمات الأسحار

وقال ابن عيينة : لم يعط أحد بعد النبوة شيئا أفضل من العلم والفقه . وللّه در القائل - من الوافر - : تعلم يا أخي ولا تقصر * فإن العلم من خير البضاعة ويوم لا تحصل فيه علما * فذاك اليوم في حكم الإضاعه ولقد أحسن الآخر حيث قال - من البسيط - : تعلم العلم لا تعبأ بمأخذه * من حيث كان فإن العلم ممدوح كدرة أنت تلقاها بمزبلة * فأنت تأخذها والزبل مطروح حكى الغزالي في الإحياء : أن عمار الراهب رأى مسكينة الطفاوية في المنام ، وكانت من المواظبات على حلق الذكر فقال : مرحبا بالمسكينة فقالت : هيهات هيهات ذهبت المسكنة وجاء الغنى قال : حيه فقالت : وما تسأل عمن أبيحت لها الجنة بحذافيرها ، قال : ومم ذلك قالت بمجالسة أهل الذكر ، وأنت خبير أن مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام ، كيف تشترى وتبيع ، كيف تصلى وتصوم وتحج وتنكح وتطلق كما قال عطاء رحمه اللّه في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا ، فقالوا : يا رسول اللّه وما رياض الجنة ؟ قال : حلق الذكر ، وكيف لا يكون للعلم هذه الفضيلة العظمى وما الإنسان إنسان إلا بالعلم ، وما اكتسب التشريف والتكريم على غيره من الحيوانات إلا بالعلم ، وليس ذلك بقوة شخصه كما قال الغزالي : فإن الجمل أقوى منه ، ولا بعظمه فإن الفيل أعظم منه ، ولا شجاعته فإن السبع أشجع منه ، ولا ليأكل فإن الجمل أوسع بطنا منه ، ولا ليجامع فإن أخس العصافير أقوى على السفاد منه بل لم يخلق إلا للعلم ، وقال بعض الحكماء : ليت شعري أي شئ أدرك من فاته العلم ، وأي شئ فاته من أدرك العلم . وقال فتح الموصلي : أليس المريض إذا منع الطعام والشراب والدواء يموت ؟ قالوا : نعم ، قال : كذلك القلب إذا منعت عنه الحكمة والعلم ثلاثة أيام يموت ، ولقد صدق فإن غذاء القلب العلم والحكمة وهما حياته ، ومن فقد العلم فهو مريض وقوله لازم ، ولكنه لا يشعر بموته إذ حب الدنيا وشغله بها أبطل إحساسه ،